الشيخ السبحاني
86
تذكرة الأعيان
قلت : القصد إلى صفة القلوب بأنّها كالمختوم عليها ، وأمّا إسناد الختم إلى اللّه عزّ وجلّ ؛ فلينبه على أنّ هذه الصفة في فرط تمكنها وثبات قدمها كالشئ الخلقي غير العرضي ، ألا ترى إلى قولهم فلان مجبول على كذا ، ومفطور عليه ، يريدون أنّه بليغ في الثبات عليه ، وكيف يتخيّل ما خيّل إليك وقد وردت الآية ناعية على الكفار شناعة صفتهم ، وسماجة حالهم ، ونيط بذلك الوعيد بعذاب عظيم ، ويجوز أن تضرب الجملة كما هي - وهي خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ - مثلا ، كقولهم : سال به الوادي إذا هلك ؛ وطارت به العنقاء ، إذا أطال الغيبة ، وليس للوادي ، ولا للعنقاء عمل في هلاكه ، ولا في طول غيبته ، وإنّما هو تمثيل : مثلت حاله في هلاكه بحال من سال به الوادي ، وفي طول غيبته بحال من طارت به العنقاء ، فكذلك مثلت حال قلوبهم فيما كانت عليه من التجافي عن الحق ، بحال قلوب ختم اللّه عليها ، نحو قلوب الأغتام « 1 » التي هي في خلوها من الفطن كقلوب البهائم ، أو بحال قلوب البهائم أنفسها ، أو بحال قلوب مقدر ختم اللّه عليها حتّى لا تعي شيئا ولا تفقه ، وليس له عزّ وجلّ فعل في تجافيها عن الحقّ ، ونبوها عن قبوله ، وهو متعال عن ذلك ، ويجوز أن يستعار الإسناد في نفسه من غير اللّه ، فيكون الختم مسندا إلى اسم اللّه على سبيل المجاز ، وهو لغيره حقيقة ، تفسير هذا أنّ للفعل ملابسات شتى : يلابس الفاعل ، المفعول به ، والمصدر ، والزمان ، والمكان ، والمسبب له ، فإسناده إلى الفاعل حقيقة ، وقد يسند إلى هذه الأشياء عن طريق المجاز المسمّى استعارة ، وذلك لمضاهاتها للفاعل في ملابسة الفعل ، كما
--> ( 1 ) . جمع أغتم ، وأصل الغتمة اللون المائل إلى السواد ، كأنّه وصف به من ليس له قلب صاف ، قال المؤلف في كتابه « أساس البلاغة » : فلان أغتم ، من قوم غتم وأغتام ، وفيه غتمة ، وهي العجمة في المنطق من الغتم ، وهو الأخذ بالنفس .